عندما تسبب تحديث معيب في أحد البرامج في تعطيل أنظمة تقنية المعلومات على مستوى العالم في يوليو ٢٠٢٤، تعرض أكثر من ثلث المستشفيات الأمريكية لاضطرابات ملحوظة في الشبكات خلال ساعات. ومن بين الخدمات المتأثرة، كان ما يقارب ٢٢٪ منها خدمات مرتبطة مباشرة بالمرضى، حيث توقفت في الوقت نفسه السجلات الصحية الإلكترونية، ومنصات التصوير، وبوابات الموظفين المخصصة للاطلاع على بيانات المرضى، وأنظمة حجز مواعيد المرضى. وأفادت بعض المنشآت بانقطاع الخدمات لأكثر من ٤٨ ساعة.
لم يكن ذلك هجومًا إلكترونيًا، بل كان تحديثًا روتينيًا حدث فيه خلل، وهو مثال واضح على مدى اعتماد الرعاية الصحية الحديثة على البنية التحتية الرقمية، ومدى هشاشة هذه البنية التحتية في كثير من الأحيان.
من المسعفين الذين ينقلون المؤشرات الحيوية للمرضى، إلى العيادات الريفية التي تجري استشارات العناية المركزة عن بُعد مع أطباء متخصصين يبعدون عنها مئات الكيلومترات، أصبح الاتصال بالإنترنت ضرورة أساسية لتقديم الرعاية السريرية. ومع ذلك، لا تزال قدرة الشبكات على الاستمرار في العمل تمثل نقطة ضعف خطيرة لا تحظى بالاهتمام الكافي في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة. وتتعامل معظم مؤسسات الرعاية الصحية مع الاتصال باعتباره مسألة تتعلق بشراء خدمات تقنية المعلومات، أي شيء يتم شراؤه وتركيبه ثم نسيانه. وقد يبدو هذا النهج فعالًا، إلى أن يحدث خلل يكشف نقاط ضعفه.
إن السؤال الذي يواجه قادة قطاع الرعاية الصحية اليوم لا يتمثل في ما إذا كانت شبكاتهم ستتعرض للتعطل، بل في كيفية استجابة بنيتهم التحتية عند حدوث هذا التعطل.
يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يصل النقص في العاملين في مجال الرعاية الصحية على مستوى العالم إلى ١٠ ملايين بحلول عام ٢٠٣٠. ويشتد هذا النقص بوجه خاص في المناطق الريفية في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث يتركز الأطباء المتخصصون في المراكز الحضرية.
يساعد الاتصال المستقر بصورة مباشرة في تعويض هذا النقص. إذ تتيح الاستشارات عن بُعد الاستعانة بالأطباء المتخصصين في اتخاذ القرارات المهمة بالمنشآت النائية دون الحاجة إلى السفر. ويربط مستشفى صحة الافتراضي في المملكة العربية السعودية حاليًا أكثر من ١٧٠ مستشفى من خلال خدمات الطب عن بُعد، مما يتيح للمرضى المقيمين في المناطق النائية الحصول على رعاية طبية متخصصة كان الوصول إليها سيتطلب خلاف ذلك رحلة طويلة، أو قد لا تتاح لهم أصلًا. كما يمكن توفير التدريب على نطاق واسع عندما يتمكن العاملون في مجال الرعاية الصحية من المشاركة في جلسات مباشرة مع خبراء في مؤسسات رائدة. وتوسع مراقبة المرضى عن بُعد نطاق عمل كل ممارس صحي، بحيث يستطيع طبيب متخصص واحد متابعة عشرات المرضى في منشآت مختلفة.
وفي الحالات التي يتجاوز فيها الطلب العرض باستمرار، لا يكون الاتصال مجرد بنية تحتية، بل يصبح عاملًا مضاعفًا للقدرات.
يعتمد جانب كبير من التحول الرقمي في قطاع الرعاية الصحية بالمنطقة على اتصال ذي مسار واحد، يكون عادةً عبر وصلة واحدة من الألياف الضوئية أو شبكة خلوية، مع اتصال احتياطي يعتمد على البنية التحتية الأساسية نفسها. ويؤدي ذلك إلى مخاطر مترابطة، فإذا تعرض أحد خطوط الألياف الضوئية الرئيسية للقطع أثناء أعمال الإنشاء، فقد يتعطل الاتصال الأساسي والاحتياطي في الوقت نفسه.
وتترتب على ذلك آثار حقيقية على الرعاية السريرية:
وبالنسبة للتطبيقات ذات المهام الحرجة، فإن حتى فترات الانقطاع القصيرة تنطوي على مخاطر سريرية. فانقطاع الاتصال لمدة ستين ثانية أثناء نقل المريض بسيارة الإسعاف يعني أن الطبيب المستقبِل سيتلقى بيانات لم تعد مُحَدّثة. وقد يؤدي انقطاع الاتصال لمدة خمس دقائق في عيادة ريفية إلى إنهاء استشارة الطبيب المتخصص في منتصف عملية التشخيص.
لا تتحقق استمرارية الشبكة الحقيقية بمجرد وجود خط ثانٍ، بل تتطلب التخلص من نقاط التعطل المشتركة. فمعظم الشبكات الأرضية، سواء كانت أليافًا ضوئية أو شبكات الجيل الخامس G5 أو وصلات ميكروويف، تلتقي في الخنادق المادية نفسها أو في مقاسم الاتصالات المحلية نفسها. ومن خلال دمج ستارلينك عبر الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا (SD-WAN)، يتم توفير مسار اتصال مستقل عبر الأقمار الصناعية يتجاوز نقاط الضعف الموجودة على مستوى البنية التحتية الأرضية. ويضمن ذلك ألا يؤدي انقطاع الألياف الضوئية في الجزء الأخير إلى انقطاع كامل للخدمات السريرية. وهكذا ننتقل من مجرد وجود اتصال احتياطي إلى تنوع فعلي في بنية الشبكة.
يوفر الاتصال عبر الأقمار الصناعية مسارًا مستقلًا فعليًا للشبكة. وعلى خلاف الشبكات الأرضية، لا تتأثر وصلات الأقمار الصناعية بأعطال البنية التحتية المحلية أو انقطاع الكابلات أو الازدحام على مستوى الشبكات الأرضية. وقد غيّر أحدث جيل من كوكبات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO) ما يمكن أن تقدمه الأقمار الصناعية، إذ انخفض زمن الاستجابة بدرجة كبيرة وازدادت سعة النطاق الترددي. وبذلك أصبح الاتصال عبر الأقمار الصناعية خيارًا عمليًا لتطبيقات الرعاية الصحية التي كان يُعتقد سابقًا أنها لا تصلح إلا عبر الشبكات الأرضية.
ومع ذلك، لا يمثل الاتصال عبر الأقمار الصناعية الحل بمفرده. فلا تزال تكاليف النطاق الترددي أعلى من البدائل الأرضية، كما قد تؤثر الأحوال الجوية في جودة الإشارة. ويتمثل الحل في الجمع بصورة ذكية بين الاتصال عبر الأقمار الصناعية وشبكات الألياف الضوئية والشبكات الخلوية الحالية من خلال الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا (SD-WAN).
وتتعامل الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا (SD-WAN) مع مسارات الاتصال المتعددة باعتبارها شبكة واحدة تُدار وفق سياسات محددة. وبدلًا من وجود شبكات متعددة مع التحويل اليدوي عند التعطل، تراقب الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا الأداء باستمرار وتوجّه حركة البيانات استنادًا إلى الأولويات السريرية.
تُعد القيمة القابلة للقياس كبيرة. ففي بيئات تقنية المعلومات بالمؤسسات، يُعتبر التوافر بنسبة ٩٩٫٩٩٩٪، المعروف باسم “الخمس تسعات”، المعيار الذهبي، إذ يعادل ذلك نحو خمس دقائق فقط من التوقف غير المخطط له سنويًا، مقارنة بساعات أو أيام في البنى ذات المسار الواحد. وتتيح الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا (SD-WAN)، عند استخدامها مع وصلات اتصال احتياطية، إمكانية تحقيق هذا المستوى من التوافر.
ويحدث التحويل التلقائي عند التعطل خلال أقل من ٣٠ ثانية، في حين تستغرق الإجراءات اليدوية التقليدية ما بين ٥ و١٥ دقيقة، بافتراض توفر موظفي تقنية المعلومات فورًا لتنفيذ هذه الإجراءات.
وعمليًا، يمكن لاستشارة العناية المركزة عن بُعد أن تعتمد عادةً على الألياف الضوئية منخفضة التكلفة، مع التحول بسلاسة إلى الاتصال عبر الأقمار الصناعية في حال حدوث مشكلة في زمن الاستجابة. كما تتحول سيارة الإسعاف تلقائيًا من الشبكة الخلوية إلى الاتصال عبر الأقمار الصناعية أثناء انتقالها عبر مناطق تختلف فيها مستويات التغطية، وذلك دون أي تدخل بشري.
تعمل شركات مثل سما إكس على مساعدة مقدمي خدمات الرعاية الصحية في تطبيق هذا النموذج على نطاق واسع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. فمن خلال توفير الاتصال عبر الأقمار الصناعية باستخدام ستارلينك للعيادات وسيارات الإسعاف والوحدات الطبية المؤقتة، إلى جانب الشبكات الأرضية عبر الشبكة الواسعة المُعرّفة برمجيًا (SD-WAN)، يُمَكِّن لسما إكس مساعدة المنشآت على مواصلة عملياتها عند تعطل البنية التحتية المحلية.
وبالنسبة لمؤسسات الرعاية الصحية التي تدرس بنية شبكاتها، يتمثل التحول الأساسي في النظر إلى الاتصال باعتباره جزءًا من البنية التحتية السريرية، وليس مجرد دعم لتقنية المعلومات. فكما تستثمر المستشفيات في أنظمة توليد الطاقة الاحتياطية، يتعين عليها أيضًا الاستثمار في قدرة شبكاتها على الاستمرار.
ويتعين على قادة قطاع الرعاية الصحية الآن أن يتساءلوا: ماذا يحدث عندما تتعطل شبكتنا الأساسية؟ وما أثر انقطاع الشبكة لمدة ساعة واحدة على المرضى؟ وهل توفر أنظمتنا الاحتياطية استقلالًا فعليًا، أم أنها معرضة لأنماط التعطل نفسها التي قد تصيب اتصالنا الأساسي؟
أما المنشآت التي ستقدم رعاية متسقة وعالية الجودة خلال العقد المقبل، فهي تلك التي تطبق على شبكاتها القدر نفسه من الصرامة الذي تطبقه على معداتها السريرية: شبكات احتياطية، وقادرة على الاستمرار، ومصممة للحالات التي لا يكون فيها التعطل خيارًا.